أحمد حسن محمد
08-28-2008, 11:27 AM
[FONT="Tahoma"]لقاء مع التراث في شطر بيت
(من قصيدة للشاعر د. عبد الله باشراحيل)
محتويات الدراسة
محتويات الدراسة
القصيدة محلّ الدراسة
تقدمة في تحليل البيت الأول:
أولاً: (شخصية الشاعر الأول في قصيدة د. عبد الله):
ثانياً: )شخصية الممدوح الأول، والجديد في قصيدة د. عبد الله(
ثالثًا: (شخصية المخاطبة بين القديم والحديث في قصيدة د. عبد الله)
تقدمة في تحليل البيت الأول:
أقلِّي النوم عن جفن الرقاد
وقومي وانظري رمم الجماد
إن الشاعر في ذلك البيت أرسل جنود أفكاره هنا وهناك.. بل وجنّد في رعايتها وطاعتها أفكارنا نحن الآخرين.. وكيف لا؟!.. وإنه قد وظّفَ الكلمات بتقنية يجد فيها ابنُ كل طبقة من طبقات القراء ما يسعفه..
إن الكلمة هنا وفي هذا البيت بالذات منسوجة بحرفيّة عالية وأبعاد ممتدّة في اتجاهات كثيرة جدا.. مؤكدة أنه احتراف غير عادي في معاملة الكلمة، وتربيتها في ذهن الشاعر..
فأول ما يطالعنا –بامتداد تأثيراته المعنوية والصوتية بامتداد القصيدة- ذلك الانسجام التراثي النابع من جرس الكلمتين التي اعتدنا موسيقاهما في الشعر العربيّ الأوّل (أقلي النوم..)؛ إنهما بمجرد القراءة وبغير تفكير عميق ولا صعوبةٍ في تحليلٍ تستدعيانِ تراثيّات فوارسِ الشعراء القدامى وأصحاب القيم النبيلة حين كانوا يبدءون قصائدهم كما بدأ عروة بن الورد:
أَقِلِّي علـيّ اللَّـوْمَ يـا بِنـتَ مُنـذِرِ
ونامي ، و إن لم تشتَهي النَّومَ فاسْهري
وفي البدء.. فإن الأداة الأولى التي سوف تسعفنا في ممارسة تحليل العلاقة بين ذلك الشطر الماثل بمدلولاته أمامنا، وبين ما بثّه كبار أجدادنا الأوائل من حيوات في صوت الكلمة -هي الأداة الوحيدة التي يمكننا التوصل بها إلى ما نود إثباته من علاقات رائعة في النص، ألا وهي بعض آليات المدارس النفسية في التحليل والتفسير- في جلسة ساخنة مع كلمات القصيدة التي أمامنا، إن هناك الكثير والكثير جدا من الكلمات التي ترتبط في حياتنا بمواقف معينة.. وبمجرد نطق/سماع هذه الكلمات تحضرنا مشاعر تلك المواقف المرتبطة بها حزناً أو فرحاً، وكذلك بمجرّد تشابهِ مواقفَ نعيشها في حاضرنا للموقف المؤثّرِ فينا قديماً.. تستدعي ذاكرتنا بعض الكلمات المرتبطة.. وزيادة هنا أن الأمر ليس مجرد عاطفة تنتجها لنا جلسة من التداعي غير المدروس، ولكنه فكر وأدب جاد، وإذا أردنا اختصار القصد، فهو شعر أهم صفاته الفطنة كأصل لغوي لكلمة الشعر ذاتها.
من الواضح جدا، والسهل الاستنتاج هنا أن شاعرنا أُشْرِبَ قلبُه وفكرُه الشعريُّ شخصياتِ القصائد القديمة فصار أمام القارئ العادي طريقان:
الأولى: أنه بدأ القصيدة بداية أشبهت بدايةَ قصائدِ بعضِ أجدادِنا الشعراء، وذكرنا عروة..
الثانية: أنه استخدم بمهارة جرسية (أقلي اللوم) تلك التي تكرّرتْ عند شاعرنا عروة. في أول قصيدته، وعند شاعرنا حاتم الطائي في:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا
ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
كان هذا أمام العيان..، أو لنقُل أمام القارئ السريع..
أما على المستوى الخاص، والذي لا أحسب أن يبلغه الكثيرون من قراء الشعر فهو استدعاء حِرَفيّ تماماً. هذا الاستدعاء التراثي لمعانٍ معينة أرادها شاعرنا الذي نزفته لنا شخصية الشعر في أصالتها ومجدها باتصال حاضرنا بماضينا..
إنه -وبلا شكّ قبل أي بداية- يحيلنا إلى مضامين تلك القصائد الأولى، ويوجّهنا بنوع من الخطاب غير العاديّ إلى أطراف كثيرة منها:
1- شخصية الشاعر
-2 التحولات الزمنية في المخاطبة.. الموجه إليها الخطاب في القصيدة..
- 3الممدوح..
----------------------------------------
أولاً: (شخصية الشاعر الأول في قصيدة د. عبد الله):عروة بن الورد كان الشاعر الفارس الذي يقرّرُ أن يمضيَ في حياتِهِ بالأسلوب الذي يحفظ عليه كرامته، ويورد نفسه موارد الخطر: خطر السفر والسيف والحرب، وتأبى شيمُ الفارس المقدام إلا أن يسعى في عرض الأرض وطولها باحثاً عمّا يسدّ به رمقَ أسرته، ولا تطيقُ نفسُهُ أن يجلس في خدر زوجته، وهو يعلم أن الإنسان غيرُ خالدٍ، وأنه لا يبقى سوى الذكر الحميد؛ لذلك فلن يخشى المنيّة، وَقَدْ افتدى سمعتَه بروحِهِ وَدَمِهِ، فَلَنْ يقعد عن الغزو وبطنُه خاويةٌ ولن يعدم أسباب الرزق فارسٌ همامٌ يجيد فنونَ القتال يطاعن بالقنا ويضرب بالسيف، فإن يلْقَ المنيّةَ يكنْ حَمِيداً، وإلا فَإِنَّه سيحقّق مُرَاده، ويغنمُ ما يغنيه عن سؤال الناس، ويشرعُ أبوابَهُ للضيوفِ، شاعر هذه القصيدة عروة بن الورد فارسٌ من فرسان الجاهليّة، كان شاعراً ذا شخصيّة محبّبةٍ لمَا تمتَّع به من مناقبَ عربيّة تتجلّى في كل صنائعه.
والشاعر حاتم الطائي.. من لا يعرف عن كرمه وأخلاقه العربية الحميدة؟!؟!؟..
وأخيرا شاعرنا الذي يستدعي هذين الكبيرين من خلال أجراس الحروف.. وروابط الكلمات بالمواقف.. ولا ينكر أحد قدْرَهُ في ذلك العصر الذي نعيشه بما قدم ويقدم.. وأنا عن نفسي لم أتشرّف بلقاء الشاعر شخصياً، ولكن كانت معرفتي بما تستنشقه الشبكة الإلكترونية من أخبار أعانتني على تفهّم بعض جوانب عبقريته الأدبية..
لكن بَقِيَ أن الشاعر في ثُلاثيّتِهِ التي أرادها، أو أحسب أنه أرادها، باعتبار ما أرساه علماء الأسلوب من مبدأ (طبيعة الكاتب) حيث تتماثل مخزونات لا شعورية أو فطرية أو تلقائية من شخصية الشاعر في نصه، والتي أمكنني أن أقع عليها -تلك الثلاثية في أركان القصائد الثلاثة.. (الشاعر – المخاطبة- الممدوح) بهذه الإمكانية التي تفرد بها شاعرنا الآن نقول إنه قال في قصيدته كل شيء رغم أن كلماته التي قالت كل شيء لا تتعدى شطراً من بيت شعر، وذلك إنجاز بالتأكيد وإنجاز غير مألوف بالنسبة لما استدعاه من معان وصفات غزيرة غزارة مطر شتوي أثبتها في شخصه هو..
فالشاعر هنا رسم لنا ملامحه الشخصية في تلك القصيدة:
- العروبة الكاملة التي تتّضِحُ في قوّة الاستنطاق الصوتي، والاستدعاء التراثيّ الذي ينمّ عن نشأةٍ واعيَةٍ رصينة في تشرّبِ وممارسة مثل هذا التراث العربي.
- صفات الفروسية التي آثرها عروة بن الورد.
- ما يقدمه حاكياً به كرم الطائي.
- أحقيته في النصح والإرشاد، وهنا لو استدعينا خطابي الشاعرين الأولين فنجد أن هناك اختلافاً ما، يتضح في أن:
1- عروة بن الورد كان ينصح بشدة تبعتها -بغير فترة زمنيّة ولا قوليّة- جفاء الرجل الحر حين يستنكر أمراً ما؛ فهو فارس حامٍ ساخن المشاعر ولا يخفى علينا أنه كان يحمل حمية وحماسة طبقة الشعراء الصعاليك..
وشدته وعنف خطابه يكمن في بيته بصراحة تامة وواضحة:
أَقِلِّي عليّ اللَّوْمَ يا بِنتَ مُنذِرِ،
ونامي، و إن لم تشتَهي النَّومَ فاسْهري
أقلي .. نامي .. أو اسهري.. المهم أن تصمتي فقط..
2- الرفق والرقّة في كلمة (مهلاً) وبالذات وهو موجِّهُهُ إلى امرأة..
وفوق هذا ترخيم الاسم وله معانٍ.. يحلو لي أن أقرأ الترخيم هنا كلغة من لغات الترقيق والرقة، والتي تناسب عتاب المحب لحبيبه في حنو وحرص..
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ولا تــقولي لشيء فات ما فعلا
فإن شاعرنا هنا يرسم لنفسه ملامح الإنسان/ الفارس/ الرقيق/ العنيف / الجاد/ المحب/ الحاني/ / / /
ولعله إن كان عروة من الصعاليك.. فالطائي رمزُ الكرم عند العرب..
إن هذا الرسم واعياً أو غيرَ واعٍ لشخصيّة الشاعر لنفسه جديدٌ كثيرا، أو قد يكون موجوداً، ولكنه لم يحظ بحركة نقدية تسلّط عليه الضوء.
ولعل في هذا أيضا كثيرا من ملامح الممدوح مع اختلاف في طبيعة هذا الممدوح..
- وزيادة على ما سبق .. الحكمة التي أثمرها تفهُّمُ عروة والطائي لفلسفة الحياة..
وهذا أروع ما في الاتصال الثلاثي بين شعرائنا الثلاثة..
------------------------------
ثانياً: )شخصية الممدوح الأول، والجديد في قصيدة د. عبد الله(
إن طبيعة الممدوح اختلفت بين شاعرينا الأولين وبين شاعرنا المعاصر.. هناك كانت القيمة في حد ذاتها.. قيمة الكرامة والفروسية والكرم والمثابرة في كسب الرزق ومنال المناقب الحسنة والخلال الطيبة عند عروة بن الورد، وكانت عند الطائيّ قيمةَ الكرم، والأثرَ الحسنَ الذي تخلّده أفعالُ المرءِ الحسنة في حياته صلة الرحم بصفة خاصة والوصل بصفة عامة الحكمة في تدبر وفهم أمر الدنيا وطبيعتها، وقيمة العبرة والاتعاظ من أمر السابقين، الانتماء الكامل وافتداء الجماعة بأغلى ما يحبه المرء، عند الحزن والبكاء على الأطلال، الصبر وقت الشدة والجهاد بحقه، معيار وجود الصديق أن يحفظ العهد فإن خان فكما قال النبيّ: "التمس لأخيك..."، ولعل ذلك هو أصلح سبيل وأسرع طريق لرجوع الخائن عن خيانته ولوم نفسه لنفسه..
FONT]
يتبع....
(من قصيدة للشاعر د. عبد الله باشراحيل)
محتويات الدراسة
محتويات الدراسة
القصيدة محلّ الدراسة
تقدمة في تحليل البيت الأول:
أولاً: (شخصية الشاعر الأول في قصيدة د. عبد الله):
ثانياً: )شخصية الممدوح الأول، والجديد في قصيدة د. عبد الله(
ثالثًا: (شخصية المخاطبة بين القديم والحديث في قصيدة د. عبد الله)
تقدمة في تحليل البيت الأول:
أقلِّي النوم عن جفن الرقاد
وقومي وانظري رمم الجماد
إن الشاعر في ذلك البيت أرسل جنود أفكاره هنا وهناك.. بل وجنّد في رعايتها وطاعتها أفكارنا نحن الآخرين.. وكيف لا؟!.. وإنه قد وظّفَ الكلمات بتقنية يجد فيها ابنُ كل طبقة من طبقات القراء ما يسعفه..
إن الكلمة هنا وفي هذا البيت بالذات منسوجة بحرفيّة عالية وأبعاد ممتدّة في اتجاهات كثيرة جدا.. مؤكدة أنه احتراف غير عادي في معاملة الكلمة، وتربيتها في ذهن الشاعر..
فأول ما يطالعنا –بامتداد تأثيراته المعنوية والصوتية بامتداد القصيدة- ذلك الانسجام التراثي النابع من جرس الكلمتين التي اعتدنا موسيقاهما في الشعر العربيّ الأوّل (أقلي النوم..)؛ إنهما بمجرد القراءة وبغير تفكير عميق ولا صعوبةٍ في تحليلٍ تستدعيانِ تراثيّات فوارسِ الشعراء القدامى وأصحاب القيم النبيلة حين كانوا يبدءون قصائدهم كما بدأ عروة بن الورد:
أَقِلِّي علـيّ اللَّـوْمَ يـا بِنـتَ مُنـذِرِ
ونامي ، و إن لم تشتَهي النَّومَ فاسْهري
وفي البدء.. فإن الأداة الأولى التي سوف تسعفنا في ممارسة تحليل العلاقة بين ذلك الشطر الماثل بمدلولاته أمامنا، وبين ما بثّه كبار أجدادنا الأوائل من حيوات في صوت الكلمة -هي الأداة الوحيدة التي يمكننا التوصل بها إلى ما نود إثباته من علاقات رائعة في النص، ألا وهي بعض آليات المدارس النفسية في التحليل والتفسير- في جلسة ساخنة مع كلمات القصيدة التي أمامنا، إن هناك الكثير والكثير جدا من الكلمات التي ترتبط في حياتنا بمواقف معينة.. وبمجرد نطق/سماع هذه الكلمات تحضرنا مشاعر تلك المواقف المرتبطة بها حزناً أو فرحاً، وكذلك بمجرّد تشابهِ مواقفَ نعيشها في حاضرنا للموقف المؤثّرِ فينا قديماً.. تستدعي ذاكرتنا بعض الكلمات المرتبطة.. وزيادة هنا أن الأمر ليس مجرد عاطفة تنتجها لنا جلسة من التداعي غير المدروس، ولكنه فكر وأدب جاد، وإذا أردنا اختصار القصد، فهو شعر أهم صفاته الفطنة كأصل لغوي لكلمة الشعر ذاتها.
من الواضح جدا، والسهل الاستنتاج هنا أن شاعرنا أُشْرِبَ قلبُه وفكرُه الشعريُّ شخصياتِ القصائد القديمة فصار أمام القارئ العادي طريقان:
الأولى: أنه بدأ القصيدة بداية أشبهت بدايةَ قصائدِ بعضِ أجدادِنا الشعراء، وذكرنا عروة..
الثانية: أنه استخدم بمهارة جرسية (أقلي اللوم) تلك التي تكرّرتْ عند شاعرنا عروة. في أول قصيدته، وعند شاعرنا حاتم الطائي في:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا
ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
كان هذا أمام العيان..، أو لنقُل أمام القارئ السريع..
أما على المستوى الخاص، والذي لا أحسب أن يبلغه الكثيرون من قراء الشعر فهو استدعاء حِرَفيّ تماماً. هذا الاستدعاء التراثي لمعانٍ معينة أرادها شاعرنا الذي نزفته لنا شخصية الشعر في أصالتها ومجدها باتصال حاضرنا بماضينا..
إنه -وبلا شكّ قبل أي بداية- يحيلنا إلى مضامين تلك القصائد الأولى، ويوجّهنا بنوع من الخطاب غير العاديّ إلى أطراف كثيرة منها:
1- شخصية الشاعر
-2 التحولات الزمنية في المخاطبة.. الموجه إليها الخطاب في القصيدة..
- 3الممدوح..
----------------------------------------
أولاً: (شخصية الشاعر الأول في قصيدة د. عبد الله):عروة بن الورد كان الشاعر الفارس الذي يقرّرُ أن يمضيَ في حياتِهِ بالأسلوب الذي يحفظ عليه كرامته، ويورد نفسه موارد الخطر: خطر السفر والسيف والحرب، وتأبى شيمُ الفارس المقدام إلا أن يسعى في عرض الأرض وطولها باحثاً عمّا يسدّ به رمقَ أسرته، ولا تطيقُ نفسُهُ أن يجلس في خدر زوجته، وهو يعلم أن الإنسان غيرُ خالدٍ، وأنه لا يبقى سوى الذكر الحميد؛ لذلك فلن يخشى المنيّة، وَقَدْ افتدى سمعتَه بروحِهِ وَدَمِهِ، فَلَنْ يقعد عن الغزو وبطنُه خاويةٌ ولن يعدم أسباب الرزق فارسٌ همامٌ يجيد فنونَ القتال يطاعن بالقنا ويضرب بالسيف، فإن يلْقَ المنيّةَ يكنْ حَمِيداً، وإلا فَإِنَّه سيحقّق مُرَاده، ويغنمُ ما يغنيه عن سؤال الناس، ويشرعُ أبوابَهُ للضيوفِ، شاعر هذه القصيدة عروة بن الورد فارسٌ من فرسان الجاهليّة، كان شاعراً ذا شخصيّة محبّبةٍ لمَا تمتَّع به من مناقبَ عربيّة تتجلّى في كل صنائعه.
والشاعر حاتم الطائي.. من لا يعرف عن كرمه وأخلاقه العربية الحميدة؟!؟!؟..
وأخيرا شاعرنا الذي يستدعي هذين الكبيرين من خلال أجراس الحروف.. وروابط الكلمات بالمواقف.. ولا ينكر أحد قدْرَهُ في ذلك العصر الذي نعيشه بما قدم ويقدم.. وأنا عن نفسي لم أتشرّف بلقاء الشاعر شخصياً، ولكن كانت معرفتي بما تستنشقه الشبكة الإلكترونية من أخبار أعانتني على تفهّم بعض جوانب عبقريته الأدبية..
لكن بَقِيَ أن الشاعر في ثُلاثيّتِهِ التي أرادها، أو أحسب أنه أرادها، باعتبار ما أرساه علماء الأسلوب من مبدأ (طبيعة الكاتب) حيث تتماثل مخزونات لا شعورية أو فطرية أو تلقائية من شخصية الشاعر في نصه، والتي أمكنني أن أقع عليها -تلك الثلاثية في أركان القصائد الثلاثة.. (الشاعر – المخاطبة- الممدوح) بهذه الإمكانية التي تفرد بها شاعرنا الآن نقول إنه قال في قصيدته كل شيء رغم أن كلماته التي قالت كل شيء لا تتعدى شطراً من بيت شعر، وذلك إنجاز بالتأكيد وإنجاز غير مألوف بالنسبة لما استدعاه من معان وصفات غزيرة غزارة مطر شتوي أثبتها في شخصه هو..
فالشاعر هنا رسم لنا ملامحه الشخصية في تلك القصيدة:
- العروبة الكاملة التي تتّضِحُ في قوّة الاستنطاق الصوتي، والاستدعاء التراثيّ الذي ينمّ عن نشأةٍ واعيَةٍ رصينة في تشرّبِ وممارسة مثل هذا التراث العربي.
- صفات الفروسية التي آثرها عروة بن الورد.
- ما يقدمه حاكياً به كرم الطائي.
- أحقيته في النصح والإرشاد، وهنا لو استدعينا خطابي الشاعرين الأولين فنجد أن هناك اختلافاً ما، يتضح في أن:
1- عروة بن الورد كان ينصح بشدة تبعتها -بغير فترة زمنيّة ولا قوليّة- جفاء الرجل الحر حين يستنكر أمراً ما؛ فهو فارس حامٍ ساخن المشاعر ولا يخفى علينا أنه كان يحمل حمية وحماسة طبقة الشعراء الصعاليك..
وشدته وعنف خطابه يكمن في بيته بصراحة تامة وواضحة:
أَقِلِّي عليّ اللَّوْمَ يا بِنتَ مُنذِرِ،
ونامي، و إن لم تشتَهي النَّومَ فاسْهري
أقلي .. نامي .. أو اسهري.. المهم أن تصمتي فقط..
2- الرفق والرقّة في كلمة (مهلاً) وبالذات وهو موجِّهُهُ إلى امرأة..
وفوق هذا ترخيم الاسم وله معانٍ.. يحلو لي أن أقرأ الترخيم هنا كلغة من لغات الترقيق والرقة، والتي تناسب عتاب المحب لحبيبه في حنو وحرص..
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ولا تــقولي لشيء فات ما فعلا
فإن شاعرنا هنا يرسم لنفسه ملامح الإنسان/ الفارس/ الرقيق/ العنيف / الجاد/ المحب/ الحاني/ / / /
ولعله إن كان عروة من الصعاليك.. فالطائي رمزُ الكرم عند العرب..
إن هذا الرسم واعياً أو غيرَ واعٍ لشخصيّة الشاعر لنفسه جديدٌ كثيرا، أو قد يكون موجوداً، ولكنه لم يحظ بحركة نقدية تسلّط عليه الضوء.
ولعل في هذا أيضا كثيرا من ملامح الممدوح مع اختلاف في طبيعة هذا الممدوح..
- وزيادة على ما سبق .. الحكمة التي أثمرها تفهُّمُ عروة والطائي لفلسفة الحياة..
وهذا أروع ما في الاتصال الثلاثي بين شعرائنا الثلاثة..
------------------------------
ثانياً: )شخصية الممدوح الأول، والجديد في قصيدة د. عبد الله(
إن طبيعة الممدوح اختلفت بين شاعرينا الأولين وبين شاعرنا المعاصر.. هناك كانت القيمة في حد ذاتها.. قيمة الكرامة والفروسية والكرم والمثابرة في كسب الرزق ومنال المناقب الحسنة والخلال الطيبة عند عروة بن الورد، وكانت عند الطائيّ قيمةَ الكرم، والأثرَ الحسنَ الذي تخلّده أفعالُ المرءِ الحسنة في حياته صلة الرحم بصفة خاصة والوصل بصفة عامة الحكمة في تدبر وفهم أمر الدنيا وطبيعتها، وقيمة العبرة والاتعاظ من أمر السابقين، الانتماء الكامل وافتداء الجماعة بأغلى ما يحبه المرء، عند الحزن والبكاء على الأطلال، الصبر وقت الشدة والجهاد بحقه، معيار وجود الصديق أن يحفظ العهد فإن خان فكما قال النبيّ: "التمس لأخيك..."، ولعل ذلك هو أصلح سبيل وأسرع طريق لرجوع الخائن عن خيانته ولوم نفسه لنفسه..
FONT]
يتبع....