المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " الرحيل .." قصة لفيصل الزوايدي ( تونس )


فيصل الزوايدي
06-26-2008, 03:11 PM
الرحـيــلُ ..

يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذاقَت نَفسي وَجَعَ الفَجائِعِ ..
من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
ارتفع صوتُ مُـحَرِّكِ السيارةِ الـمتوقفةِ أمامَ البـيت ، فقد ضغطَ السائقُ على دَواسةِ البنزين لِيَستَحِثَّني ، بابُ العربةِ مفتوحٌ يطلُبُني إلـى حياةٍ جديدةٍ .. حياة رسـمَتها أحلامٌ و أوهامٌ .. هنالك بعيدًا خلفَ سفرٍ طويلٍ إلـى أرضِ الوُجوهِ الشقراء و الـمالِ الوفير و الـمباهجِ .. ينفتحُ بـهدوءٍ بابُ منزلٍ مُـجاورٍ تـخرجُ مِنه فتاةٌ اتفقَت عائلتان يومًا على تزويـجي مِنها فهي ابنةُ خالـي .. لـم تَكُن الفتاةُ قبيحةً حتى أرفضَها زوجـةً بل على النقيض مِن ذلك كانت من ذوات الـحُسنِ خاصةً مَعَ ابتسامةٍ ساذجةٍ تُذكِّـرنـي كثيرًا بابتسامةِ أبيها الطيبِ .. لكني كُنتُ أرفُضُ ذلكَ الارتباطَ الذي يَشُدُّنـي إلى حياةِ البُؤس هنـا، تـمسَحُ أمي أنفَها بِطَرَفِ ردائِها و أَلـحَظُ غــيابَ أختي عن النافذةِ . يُصبِحُ التقاطُ الـهواءِ إلى صدري عمليةً أكثرَ صعوبةً ، تذَكَّرتُ كلامَ أبـي الكثير عن كَونـي رجلَ الدارِ بعدَه فكنت أُجيبُه بأن أدعوَ له بطولِ العُمرِ فيُجيبُنـي : يَطولُ العُمرُ أو يَقصُر فلابد للإنسانِ أن يُقبَـر .. تداخَلَت الصورُ أمامي مِن صبـيٍّ أسـمرَ يَلهو عند مَشارِف الصحراء إلـى شُقرِ الوجوهِ فـي بِلادٍ ثلجيةٍ و اختلطت الألوانُ فـي مزيجٍ غريبٍ ، أفقـدُ كلامًا كثيرًا كان مِنَ الـمُمكِنِ قولـه فـي هذا الـمقامِ ، فلا أجِـد مـا أقول فأصمتُ، لـم يَكُن للحظةِ و لا للزمنِ غـير معنى واحدٍ مُـختَلفٍ لا يعرِفُهُ الساعاتِِيّون .. و أخشى انفجارًا بداخلي فأُلقي حَقيبَتي الصغيرة على الـمقعدِ الـخَلفي و أهُـمُّ بإلقاءِ نفسي داخلَ السيارةِ و لَكن..
يسقُطُ إناءُ مـاءِ على الأرض فقد كان ولدي الصغيرُ قد أوقع قدحًـا من يَدَيْهِ .. تـمامًا مثلما سَقَطَ إناءُ الـماءِ من يَدَيْ أمي يومَها عندما ارتفَعَ صوتُ أختي مِن النافذةِ الخشبيةِ الـزرقاء بصيحةٍ مـجروحَةٍ تُعلِنُ وقوعَ الفادحةِ ..
تنحنـي زوجتي تُلَمْلِمُ شظايا القَدَحِ و تبتَسِمُ بطيبةٍ ساذجةٍ تُذَكِّرُنـي بـخالـي الطيب.

فيــــصل الزوايـــــــدي

ملاك الطهر
06-26-2008, 04:14 PM
فيصل الزوايدي


قصة جميلة جداً كان لي

شرف معاانقة حروفها

لا عدمنا هذه الإطلالة الراائعه



تحيااااااتي..

راكان العتيبي
06-26-2008, 07:58 PM
ماشاء الله تبارك الله


رائعة جدا هذة القصة

تقمصت شخصياتها لاشعوريا

وهذا دليل على روعة الحبكة

الف شكر أخوي فيصل

أخوك

راكان العتيبي

فيصل الزوايدي
06-26-2008, 08:54 PM
فيصل الزوايدي


قصة جميلة جداً كان لي

شرف معاانقة حروفها

لا عدمنا هذه الإطلالة الراائعه



تحيااااااتي..

أخت ملاك الطهر أسعدني كثيرا اعجابك بالقصة و ثناؤك الباذخ عليها فشكرا لك و اعدك بالمزيد ان شاء الله
دمت في الخير
مع الود

فيصل الزوايدي
06-26-2008, 08:56 PM
ماشاء الله تبارك الله


رائعة جدا هذة القصة

تقمصت شخصياتها لاشعوريا

وهذا دليل على روعة الحبكة

الف شكر أخوي فيصل

أخوك

راكان العتيبي

أخي راكان انا ممتن لهذا التفاعل العفوي و الحميمي مع القصة و قد اسعدني اعجابك بها
دمت في الخير
مع الود الممتد

فرح دنيتك
06-27-2008, 06:47 AM
..

ماأصعب الرحيل

وماأجمل ماخط قلمك عنه

جعلتنآ نرحل مع هذه الرائعة ونتوقف بـ محطآت الرحيل

فيصل .. لاعدمنآ هذا الإبداع

تقبل مروري

تحيآتي

فيصل الزوايدي
06-27-2008, 12:36 PM
..

ماأصعب الرحيل

وماأجمل ماخط قلمك عنه

جعلتنآ نرحل مع هذه الرائعة ونتوقف بـ محطآت الرحيل

فيصل .. لاعدمنآ هذا الإبداع

تقبل مروري

تحيآتي

أخت فرح دنيتكے .. الرحيل موت من نوع آخر .. موجع أيضا ..
أسعدني تفاعلك الراقي مع القصة و ثناؤك عليها فشكرا لهذا الدعم الباذخ
دمت في الخير
مع الود

متيمــــــه
06-30-2008, 01:41 PM
فيصل


قرأتها مُسبقاً

وربك كأني أقراها اليوم لأول مره


رغم ماعلق بالذاكرة من تفاصيلها


إلا أنها تُجبر القارئ على التعمّق بها



سلمت ودام مداد قلمك


دمت بخير

فيصل الزوايدي
07-02-2008, 02:34 AM
فيصل


قرأتها مُسبقاً

وربك كأني أقراها اليوم لأول مره


رغم ماعلق بالذاكرة من تفاصيلها


إلا أنها تُجبر القارئ على التعمّق بها



سلمت ودام مداد قلمك


دمت بخير

أخت متيمه أنا ممتن كثيرا لتفاعلك العفوي و الحميمي مع النص و هذه هي القراءة التي تنعش الكلمات و صاحبها و تشد من أزرهم
دمت في الخير
مع الود

حِشري
07-02-2008, 03:03 AM
جميلة جدا

يعيشها القارئ لحضة بلحضة

تسلم مع خالص تحياتي

اخوك حِشري

فيصل الزوايدي
07-04-2008, 01:55 AM
جميلة جدا

يعيشها القارئ لحضة بلحضة

تسلم مع خالص تحياتي

اخوك حِشري

الاخ حِشري يسعدني اعجابك بالقصة و تفاعلك الحميمي معها و انا ممتن للدعم العفوي الباذخ
دمت في الخير
مع الود

نايف القثامي
07-26-2009, 04:13 PM
أعرف معنى الرحيل .. فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..

نسأل أن يُقرٌ أعين الأباء والأمهات بمن أجبرته ظروفه على الرحيل

فيصل .. شكراً لك

فيصل الزوايدي
07-30-2009, 08:59 PM
أعرف معنى الرحيل .. فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..

نسأل أن يُقرٌ أعين الأباء والأمهات بمن أجبرته ظروفه على الرحيل

فيصل .. شكراً لك

سرني تفاعلك و ما اقتبست اخي نايف فشكرا لك
دمت في الخير

سلمى بن علي
09-27-2009, 06:23 PM
اخي الكريم قصتك مؤثرة وهي تعكس الحياة لان الظروف في بعض الاحيان تاخذنا في مراكب ولا ندري اي مرفا تحطنا فيه وقصتك تنقل لنا المعاناة التي يعيشها الانسان ويكون مجبرا على ذاك الوضع لكن الامل يبقى قائما لان الفجر دائما ياتي بعد الظلام ولذا نحاول ان نتمسك بالامل وحتما سيصل بنا الى ما نصبو اليه
معاني القصة استطاعت ان تترك في ذاكراتنا بصماتها واصل ونحن ننتظر جديدك اخي الكريم

فيصل الزوايدي
03-24-2010, 03:22 PM
اخي الكريم قصتك مؤثرة وهي تعكس الحياة لان الظروف في بعض الاحيان تاخذنا في مراكب ولا ندري اي مرفا تحطنا فيه وقصتك تنقل لنا المعاناة التي يعيشها الانسان ويكون مجبرا على ذاك الوضع لكن الامل يبقى قائما لان الفجر دائما ياتي بعد الظلام ولذا نحاول ان نتمسك بالامل وحتما سيصل بنا الى ما نصبو اليه
معاني القصة استطاعت ان تترك في ذاكراتنا بصماتها واصل ونحن ننتظر جديدك اخي الكريم

أعتز برأيك اخت سلمى و اعدك بالمزيد ان شاء الله .. أعجبتني قراءتك و ما فيها من دعوة الى الامل ..
دمت في الخير

سامي الريمان
05-27-2010, 10:30 PM
بصراحة فيصل


دائما أجد صعوبة في نظم المفردات امام ماتكتب : )


لله درك
و3

فيصل الزوايدي
05-28-2010, 02:18 AM
بصراحة فيصل


دائما أجد صعوبة في نظم المفردات امام ماتكتب : )


لله درك
و3

أعتز بتفاعلك و تعبيرك العفوي كثيرا اخي سامي فتقبل امتناني و تقديري

حسام العتيبي
06-20-2010, 03:12 PM
و1 مُمتعه


شُكراً لك